السيد الطباطبائي
331
الإنسان والعقيدة
فقال عليه السّلام : « قم ، فليس إليك من المشية شيء » « 1 » . فمسألة ثبوت القدر معناها أنّ للّه تعالى تأثيرا في الأفعال ، بحسب ما يليق بساحة عزّه تعالى . ونلاحظ أنّه عليه السّلام قد بنى هذه المسألة على مسألة أنّ للصفات الفعليّة في الجملة أصلا في الصفات الذاتيّة ، وارتباطا بالذات . وإذا كانت الصفات الفعليّة مرتبطة بالأفعال ، فيثبت بعد هذا أنّ الأفعال كسائر الحوادث الأخرى ، مقدّرة بتقديره تعالى ، غير منقطعة عنه « وهذا بخلاف ما يقوله المفوّضة من انقطاعها عنه تعالى » . وقد أشرنا في الفصل الثامن أنّ هذه المسألة من معضلات المسائل الفلسفيّة « 2 » . . فالذي يقضي به البحث والدراسة في صفاته تعالى الفعليّة ، كالرضا والغضب ، والرأفة ، والإحياء ، والإماتة ، والرازقيّة ، والهداية ، ونحو ذلك . . هو أنّها لا تتّصف بها الذات اتّصافا حقيقيّا - على حدّ اتّصافها بالعلم والقدرة - وذلك لأنّها حادثة بحدوث متعلّقها ، وهو زيد مثلا ، المرحوم المرزوق المهدي . . وهكذا . . وعليه فحقيقة هذه الصفات ، الرضا والسخط . . الخ . . هي أنّها نسب يعطيها حال المتعلّق إذا قيس إلى الواجب تعالى ؛ فزيد مثلا من حيث حصوله على ما يحفظ به بقاء ذاته من الغذاء ونحوه ، يكون حاله شبيها بحال من يرتزق برزق من رازق ، وبهذه الوسيلة صحّ أن يقال للغذاء ونحوه أنّه : رزق من اللّه ، ولزيد أنّه مرزوق ، وللواجب تعالى أنّه رازق ، وعلى هذا القياس . . وعليه . . فالصفات المسمّاة بالصفات الفعليّة أمور زائدة على الذات الإلهيّة المقدّسة ، ترجع حقيقتها إلى ما يسمّى في علم البيان ب « الاستعارة التمثيليّة » .
--> ( 1 ) التوحيد : 355 - 356 ، باب القضاء والقدر والفتنة ، الحديث 3 . بحار الأنوار : 5 / 110 ، أبواب العدل - باب 3 : القضاء والقدر والمشية والإرادة ، الحديث 35 . ( 2 ) راجع الصفحة 325 من هذا الكتاب في موضوع : في رؤيته تعالى .